الشيخ محمد هادي معرفة
226
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
الحقيقة بخلافه . « 1 » إذن ، فلم يثبت من هذه الآية اعتراف للقرآن بحقيقة السحر سوى الشعوذة والتوسّل بالحيل للتمويه على أعيُن النّاس ، هذا فحسب . وهناك آيات اخر استندوا إليها لهذا الاعتراف المزعوم ، كالآيات الواردة بشأن سَحَرة بابل في سورة البقرة . وكذا سورة الفلق « النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ » . وسنتكلّم عن ذلك أيضا بعد الكلام عن أقسام السحر ورأي علماء المسلمين فيه . وسيبدو بعون اللّه تعالى أنّ تلكم الآيات أيضا بعيدة كلّ البُعد عمّا رامه الزاعمون وأن ليس في القرآن ما يشي باعترافه بحقيقة السحر بتاتا . أقسام السحر السحر بحسب اللغة : ما لطف ودقّ مأخذه في التأثير ، ومن ثمّ فإنّ من البيان لسحرا . وقسّمه الإمام الرازي بحسب المصطلح إلى أنواع ثمانية : النوع الأوّل : الاستعانة بالكواكب ، زعما أنّها هي المدبّرة لهذا العالم . نسب ذلك إلى الكلدانيّين كانوا يعبدون الكواكب ، فكانوا يستعينون بها على سدّ مآربهم والقضاء على مناوئيهم . وأهل العدل والتنزيه من متكلّمي المسلمين ( الإماميّة والمعتزلة ) أنكروا صحّة ذلك ، بل جواز الاعتقاد به قد يؤدّي إلى الشرك باللّه العظيم . وقامت الأشاعرة بوجههم فأجازوه باعتبارها أسبابا وعللًا طبيعية كانت تحت إرادته تعالى . النوع الثاني : سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية ، فهناك لأرباب النفوس القوية تأثير كبير في إلقاءاتهم على ذوي النفوس الضعيفة . والنفس إذا تأثّرت بما القي إليها توهّمته قطعيّا وانفعلت به وانجذبت إليه انجذابا . الأمر الذي قام به أكثر أصحاب المقدرات القوية فسخّرت زرافات من ذوي الأنفس الضعيفة السريعة الانخداع . النوع الثالث : الاستعانة بالأرواح الأرضية الخبيثة ، ممّا عبّروا عنها بتسخير شياطين
--> ( 1 ) - الكشّاف ، ج 2 ، ص 140 .